أعزائي,
بعد شريط الزميل أبن المقفّع عن
الإسكندر الأكبر و ذي القرنين, اردت ان افتح المجال لنقطة أخري متعلقة أيضاً بذي القرنين,
و هي طلب ذي القرنين للخلود و مقارنته بجلجامش
أقتبس من (الأسطورة و التراث – سيد القمني)
[و إذا كانت رحلة ذي القرنين الأولي الي مغرب الشمس سعياً وراء هداية الخلق اللذين يسكنون دون المدينه مما يلي المغرب مباشرة أي جابقلا؛ لعبادة الواحد القهار؛ فإن رحلته الثانيه – كما هو واضح لدي إخباريينا – كانت تستهدف غاية أخري؛ و رغبه طالما راودت بني الإنسان هي الحصول علي الحياه الدائمة الخالدة, و هو ما جاء في ذكر (السهيلي – الروض الأنف) عن ذي القرنين:
"و هو صاحب الخضر حين طلب ماء الحياه, فوجدها الخضر ولم يجدها ذي القرنين" , وقد ذكر إبن كثير عن جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبراً مطولاً جداً, فيه أن ذي القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رنقائيل, فسأله ذي القرنين: هل تعلم في الأرض عيناً يقال لها عين الحياة؟ فذكر له صفة مكانها, فذهب ذي القرنين في طلبها, و جعل الخضر علي مقدمته, فإنتهي الخضر إليها في واد في أرض الظلمات, فشرب منها, ولم يهتد ذي القرنين إليها"
و يفصل (الثعلبي) و (الجزائري) فيما موجزه, أنه كان لذي القرنين خليل من الملائكه يدعي (رفائيل) "واضح هنا إختلاط الإسم لقراءة الكتابة غير المنقوطة في الإسمين: رنقائيل – رفائيل" ينزل إليه من السماء يسليه بالحديث و يناجيه, و قال له يوماً: يا ذا القرنين, إن للـه في هذه الأرض (عيناً) تدعي عين الحياه, من شرب منها, لا يموت حتي يطلب الموت, و لما علم ذي القرنين ان هذه العين تقع بالظلمات الواقعة خلف مطلع الشمس؛ (طبيعي عندها ان يكون وجه الشمس هو المضىء, وان يكون لها وراء, وطبيعي أيضاً ان يكون قفاها مظلماً) جمع جيوشه يخوض البحار ويقطع الجبال ثنتي عشرة سنه, حتي وصل إلي بداية او طرف الظلمة, و هناك إنتخب لقيادة الجيش شخصيه تراثيه شهيره أخري هي (الخضر) المعروف بالحي الغائب, وخاض بهم فيما وراء الشمس, في الظلمة, وهناك دعا ثلاثمائة وستين من رجاله بينهم الخضر, ودفع إلي كل منهم سمكة, وقال لهم: إذهبوا في الظلمة فهناك ثلاثمائة وستون عيناً, وليغسل كل منكم سمكته في عين منها, فذهبوا ولكن (سمكة) الخضر إنزلقت منه (فسبح ورائها) وعب من الماء, ولما عاد أعلم ذي القرنين بما حدث فقال له: كنت انت صاحب عين الحياه, وهذا هو السبب ان الخضر حتي اليوم حي؛ لكنه غائب؟! لأنه شرب من عين الحياه الخالده, ولم يصلها ذي القرنين ليشرب, ومات صغيراً (وربما حسيراً).]
و يعود القمني في جزء من الكتاب يلي ما سبق ليقارن بين ذي القرنين و جلجامش
[من جهة أخري يمكننا ان نجد صدي آخر لطلب الخلود في الملحمة الرافدية (جلجامش) اللذي ذهب يسعي طلباً للخلود, ممثلاً في نبته تنمو في بلاد غريبة, سافر إليها أصقاعاً و زماناً إلى أن وصل إليها, لكن (الحيه) سرقت منه النبته في (بركة نزلها ليستحم), وهو ما يكاد يطابقه ما جاء عن نزول الخضر الي العين و هروب السمكة منه, لكن اللذي خسر الخلود هو ذي القرنين, بينما شرب الخضر من ماء الخلود فكان هو صاحب العين لذلك هو حي غائب.
وقد أفصحت ملحمة جلجامش عن إعتقاد رافدي إستمر زمناً طويلاً سجلته عقائدهم, و هو أن الألهة إحتفظت بالخلود وحرمت منه الإنسان, والحية سارقة النبته الخالده هي كما علمنا رمز الأنثي (حية, حواء, حيا المرأة او فرجها مفرز المواليد و رمز النبات), و النبات في الملحمة رمز الخلود, والنبات يموت و يحيا في دورة دائمة ابدا كل عام, اما الإنسان إن مات فلا عوده, فقط آلهة الخضرة هي اللتي تمتلك ذلك الإقتدار, وهو ما أورد التراث صداه ممثلاً في الشخصية التراثية المسماه بالخضر وإرتباط إسمه بالخضرة, وكان إذا جلس علي اليبس إخضر, و إذا جلس علي صوف الخروف ذي القرنين تحول إلي خضره زاهية, كما اوردت كتب التراث]
وللنظر عن قرب فيما قاله القمني, أورد لكم النص من ملحمة جلجامش:
اللوح الحادي عشر, العمود السادس
263- فقال له أوتنابشتيم، قال لجلجامش.
264- (( قد أتعبت نفسك في الوصول إلينا يا جلجامش وأضنيتها.
265- فماذا أعطيك (تحمله) عائداً إلى بلادك؟
266- جلجامش. سأبوح لك بأمر خبيء،
267- وأطلعك على سر من أسرار الآلهة.
268- هناك نبته تشبه الشوك،
269- تخز يدك أشواكها كما الورد.
270- فإذا جنت يداك تلك النبته، وجدت حياة متجددة)).
271- فلما سمع جلجامش هذا فتح (القناة).
272- ربط إلى قدميه حجراً ثقيلاً،
273- جذبه غائصاً إلى الأبسو هناك رأى النبته.
274- اجتثها، وخزت يديه.
275- حل عن قدميه الحجر الثقيل،
276- والـ ... ... رمته على الشاطئ.
277- قال له جلجامش، قال لأورشنابي:
278- (( إنها لنبته عجائبية يا أورشنابي.
279- بها يستعيد الإنسان قواه السابقة.
280- سأحملها معي إلى أوروك المنيعة، وأجعل (الشيوخ) يقتسمونها،
281- وأسميها رجوع الشيخ إلى صباه.
282- ولسوف آكل منها (أيضاً) فأعود إلى شبابي.
283- بعد عشرين ساعة مضاعفة توقفا للطعام.
284- بعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا القضاء الليل.
285- فرأى جلجامش بركة ماء بارد.
286- نزل فيها واستحم بمائها،
287- فتشممت أفعى رائحة النبتة.
288- تسللت خارجة من الماء وخطفتها.
289- وفيما هي عائدة، تجدد جلدها.
290- وهنا جلس جلجامش وبكى.
291- فاضت دموعه على خديه.
292- (أخذ بيد) أورشنابي يدي؟
293- ولمن بذلت دماء قلبي؟
294- لم أجن لنفسي نعمة ما،
295- بل لحية لها التراب جنيت النعمة.
296- بعد حملي لها المسافات، جاء من خطفها.
بالطبع أصدقائنا من المسلمين و المؤمنين سينكروا ان الأصل في القصه للتصور الرافدي و ينسبوا الأصل للتراث الإسلامي فقط, بل إحتمال وارد ان يقولو ان جلجامش هو ذي القرنين و لكن البابليين الزنادقه قاموا بتحريف القصه, كجزء من المخطط التآمري ضد الإسلام, علي كل لن يغير هذا من التاريخ شيئاً
الأن سؤالي: إذا كان ذي القرنين من عباد الله الصالحين كما ورد بالقرآن و حكايات الإخباريين المسلمين, فلماذا إذاً لم يرضي بحكمة ربه و طلب الخلود؟, مع العلم ان ذي القرنين كما أورد التراث الإسلامي ملك من ضمن 4 ملكوا الأرض:
"روي مجاهد عن إبن عباس قال: ملك الأرض كلها أربعه: مؤمنان و كافران
فأما المؤمنان: فسليمان و ذي القرنين
وأما الكافران: فالنمروذ إبن كنعان و بخت نصر" (يقصد نبوخذ نصر)
فلماذا لم يكتفي هذا المؤمن بمكافئة الإله له ان ملكه الأرض, و هل يوجد مؤمن يصدق انه يستطيع التساوي بإلهه و يخلد؟